ابن قيم الجوزية
432
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
غير أن الحياء أقرب إلى مقام الإحسان ، وألصق به ، إذ أنزل نفسه منزلة من كأنه يرى اللّه . فنبعت ينابيع الحياء من عين قلبه وتفجرت عيونها . قال : « الدرجة الثانية : الصبر على الطاعة ، بالمحافظة عليها دواما ، وبرعايتها إخلاصا . وبتحسينها علما » . هذا يدل على أن عنده : أن فعل الطاعة آكد من ترك المعصية . فيكون الصبر عليها فوق الصبر عن ترك المعصية في الدرجة . وهذا هو الصواب - كما تقدم - فإن ترك المعصية إنما كان لتكميل الطاعة . والنهي مقصود للأمر . فالمنهي عنه لما كان يضعف المأمور به وينقصه : نهى عنه حماية ، وصيانة لجانب الأمر . فجانب الأمر أقوى وآكد . وهو بمنزلة الصحة والحياة . والنهي بمنزلة الحمية التي تراد لحفظ الصحة وأسباب الحياة . وذكر الشيخ : أن الصبر في هذه الدرجة بثلاثة أشياء : دوام الطاعة . والإخلاص فيها . ووقوعها على مقتضى العلم . وهو تحسينها علما . فإن الطاعة تتخلف من فوات واحد من هذه الثلاثة . فإن العبد إن لم يحافظ عليها دواما عطلها ، وإن حافظ عليها دواما عرض لها آفتان : إحداهما : ترك الإخلاص فيها . بأن يكون الباعث عليها غير وجه اللّه ، وإرادته والتقرب إليه . فحفظها من هذه الآفة : برعاية الإخلاص . الثانية : ألا تكون مطابقة للعلم . بحيث لا تكون على اتباع السنة . فحفظها من هذه الآفة : بتجريد المتابعة . كما أن حفظها من تلك الآفة بتجريد القصد والإرادة . فلذلك قال « بالمحافظة عليها دواما ، ورعايتها إخلاصا ، وتحسينها علما » . قال : « الدرجة الثالثة : الصبر في البلاء ، بملاحظة حسن الجزاء ، وانتظار روح الفرج . وتهوين البلية بعدّ أيادي المنن . وبذكر سوالف النعم » . هذه ثلاثة أشياء تبعث المتلبس بها على الصبر في البلاء : إحداها : ملاحظة حسن الجزاء . وعلى حسب ملاحظته والوثوق به ومطالعته يخف حمل البلاء ، لشهود العوض . وهذا كما يخف على كل متحمل مشقة عظيمة حملها ، لما يلاحظه من لذة عاقبتها وظفره بها . ولولا ذلك لتعطلت مصالح الدنيا والآخرة . وما أقدم أحد على تحمل مشقة عاجلة إلا لثمرة مؤجلة ، فالنفس موكلة بحب العاجل . وإنما خاصة العقل : تلمح العواقب ، ومطالعة الغايات . وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم . وأن من رافق الراحة فارق الراحة . وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة ، فإن قدر التعب تكون الراحة : على قدر أهل العزم تأتي العزائم * وتأتي على قدر الكريم الكرائم ويكبر في عين الصغير صغيرها * وتصغر في عين العظيم العظائم والقصد : أن ملاحظة حسن العاقبة تعين على الصبر فيما تتحمله باختيارك وغير اختيارك .